جان يعقوب جبور
منذ اندلاع الاحتجاجات والمشاكل في سوريا في مارس 2011، اتخذت دول كبرى مواقف متباينة من النظام السوري، تراوحت بين الدعوة إلى رحيله، ومحاولات احتوائه، ثم القبول الضمني ببقائه كأمر واقع. هذا التذبذب لم يكن بلا كلفة. فثمن التخلي أو إعادة التموضع تجاه النظام لم يُدفع فقط في ميزان السياسة الدولية، بل انعكس بوضوح على مكونات المجتمع السوري التي وجدت نفسها بين فراغ أمني، وتفكك مؤسساتي، وصراعات نفوذ متشابكة.
من الضغط إلى التراجع: محطات مفصلية
في صيف 2011، طالبت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية الرئيس بشار الأسد بالتنحي (أغسطس 2011). تبع ذلك حزم عقوبات أوروبية وأمريكية هدفت إلى عزل دمشق. لكن غياب استراتيجية موحدة لدى القوى الكبرى، خصوصًا بعد فشل مجلس الأمن في إصدار قرارات حاسمة بسبب الفيتو الروسي-الصيني المتكرر (أبرزها أكتوبر 2011 وفبراير 2012)، فتح الباب أمام إطالة أمد الصراع. المحطة الأكثر حساسية جاءت في أغسطس 2013، عقب هجوم الغوطة الكيميائي. حينها تراجعت واشنطن عن ضربة عسكرية كانت وشيكة، وقبلت باتفاق روسي-أمريكي لتفكيك الترسانة الكيميائية السورية (سبتمبر 2013). وبالرغم من تأكيد المجتمع الدولي عبر تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية استعمال مثل هذا النوع من الأسلحة لكنه أبقى ملفات مفتوحة ونقاط خلاف سياسية وقانونية حول هذه الحوادث (وهذا يذكرنا بكذبة سلاح الدمار الشامل في العراق لإسقاط الدولة آنذاك). هذا التحول اعتُبر لدى كثير من الفاعلين السوريين إشارة إلى أن إسقاط النظام لم يعد أولوية غربية. ثم جاء التدخل العسكري الروسي المباشر في 30 سبتمبر 2015 ليقلب ميزان القوى ميدانيًا. منذ تلك اللحظة، بدأت دول غربية وعربية تدريجيًا الانتقال من خطاب “رحيل النظام” إلى مقاربة "إدارة الأزمة".
الثمن الأمني: فراغات وصعود فواعل غير دول
التردد الدولي ساهم في خلق فراغات أمنية استغلتها جماعات متطرفة. فبين عامي 2013 و2014، تمدد تنظيم “داعش” وسيطر على مساحات واسعة من شرق سوريا، معلنًا "الخلافة" في يونيو 2014. هذا التطور لم يكن منفصلًا عن انهيار منظومات الضبط التقليدية وتعدد مراكز القوة. المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة شهدت نماذج حكم متباينة، من إدارات محلية هشة إلى سيطرة فصائل مسلحة متنافسة، ما عمّق حالة التشظي المجتمعي. وفي المقابل، أدت العمليات العسكرية الواسعة لاستعادة مناطق (مثل حلب الشرقية في ديسمبر 2016 والغوطة الشرقية في أبريل 2018) إلى موجات نزوح ضخمة وإعادة تشكيل ديموغرافي في بعض المناطق.
التأثير على المكونات المجتمعية
لم يكن السوريون كتلة واحدة في تلقي تداعيات التحولات الدولية.
- العرب السنّة:
تحملوا العبء الأكبر من العمليات العسكرية والنزوح، خصوصًا في محافظات حلب وإدلب وريف دمشق ودير الزور. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تجاوز عدد اللاجئين السوريين خارج البلاد 5.6 مليون بحلول 2021، معظمهم من هذه المناطق.
- الأكراد السوريون:
استفادوا مرحليًا من الانكفاء الحكومي في الشمال الشرقي عام 2012 لتأسيس إدارة ذاتية. لكنهم وجدوا أنفسهم لاحقًا في معادلة معقدة بين الدعم الأمريكي (خاصة بعد معركة كوباني 2014–2015) والضغوط التركية المتزايدة، ولا سيما بعد عملية “نبع السلام” في أكتوبر/تشرين الأول 2019، التي أدت إلى تغييرات ميدانية كبيرة.
- المكونات الدينية الأخرى (العلويون، المسيحيون، الدروز، وغيرهم):
كثير من هذه المكونات رأت في بقاء الدولة المركزية ضمانة للاستقرار، خصوصًا مع تصاعد نفوذ جماعات متشددة بين 2013 و2015. لكن هذه المناطق لم تكن بمنأى عن الخسائر البشرية والاقتصادية، إضافة إلى ضغط التجنيد والهجرة المتزايدة.
- سكان مناطق المعارضة السابقة:
واجهوا تحولات قسرية بعد اتفاقات “المصالحات” بين 2016 و2018، والتي نقل بموجبها آلاف المقاتلين والمدنيين إلى شمال غرب سوريا، ما ساهم في تكثيف الضغط السكاني والإنساني في إدلب ومحيطها.
الثمن الاقتصادي والإنساني
بحلول 2023، قدّر البنك الدولي أن الاقتصاد السوري خسر أكثر من نصف ناتجه مقارنة بعام 2010. كما دُمّرت بنى تحتية واسعة في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة. هذه النتائج لم تكن فقط ثمرة العمليات العسكرية، بل أيضًا نتيجة استمرار حالة اللااستقرار وغياب تسوية سياسية مدعومة دوليًا. العقوبات الغربية، التي توسعت خصوصًا مع “قانون قيصر” الأمريكي في يونيو 2020، زادت من تعقيد المشهد المعيشي، إذ أثّرت على قدرة الاقتصاد على التعافي، رغم أن الهدف المعلن كان الضغط السياسي. وبالتالي من تضرر من هذا القانون هو الشعب السوري بعينه.
بين الواقعية السياسية وكلفة الإنسان
تُظهر التجربة السورية أن تردد القوى الكبرى بين الحسم والانكفاء غالبًا ما يترك فراغات مكلفة. فالتخلي المبكر عن مسار ضغط فعال دون بديل سياسي واضح ساهم في إطالة النزاع، بينما أدى القبول اللاحق بالأمر الواقع إلى تثبيت وقائع ميدانية صعبة التغيير.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة، لا يزال المجتمع السوري يدفع ثمن تلك التحولات الدولية المتقلبة: دولة مُنهكة، نسيج اجتماعي متصدّع، وملايين بين نازح ولاجئ. الدرس الأبرز أن كلفة “اللاقرار” في النزاعات المعقدة قد تكون، في النهاية، أعلى بكثير من كلفة القرار نفسه، خصوصًا عندما يكون المدنيون هم الحلقة الأضعف في معادلات القوى الكبرى. مؤامرات وقرارات دولية تفرض قوانين وعقوبات على كل من لا يتناسب مع سياساتهم وتعين حكامًا موظفين لديهم لتنفيذ أجنداتهم على حساب تفكيك أوطاننا وقتل وتهجير شعوبنا. هل ما حصل فعلًا في سوريا ثورة شعب أو شعب استُغل لأجندات خارجية ساهمت بإضعاف الدولة وتقسيمها إلى كيانات مذهبية وفكر متطرف؟ أما السؤال الذي يطرح نفسه، كيف ساهمت الأزمة في سوريا بتوسع الكيان الصهيوني جنوبًا ليكون جزءًا من ما يُسمى بـ"إسرائيل الكبرى"؟
